عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

34

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الكلام بالنبيذ الذي يكون منه السكر والنشوة ، ويكون منه الخمار . وحذار أن تقول الكلام الذي لم تسأل عنه . وتجنب القول البذىء وإذا سئلت فلا تقل غير الصواب ، ولا تنصح أحدا ما لم يطلب النصيحة ، ولا تعظ وخاصة من لا يسمع النصح ، ولا تنصح على الملأ فقد قيل ( النصيحة بين الملأ تقريع ) . وإذا كان امرؤ قد نشأ على الاعوجاج فلا تحم حول تقويمه ، لأنك لا تستطيع تقويم الشجرة التي نشأت على العوج وتفرعت وطالت بغير القطع والتشذيب ، وكذلك لا تبخل بالكلام الحسن ، وإذا كانت لك طاقة فلا تبخل ببذل المال ؛ لأن الناس أكثر افتتانا بالمال منهم بالكلام ، وتجنب مواطن التهم ، وفر من الصاحب السيّئ التعليم والفكر ، ولا تغتر بنفسك ، وضع نفسك في الموضع الذي إذا طلبوك فيه وجدوك بحيث لا تخجل ، واطلب نفسك من حيث تكون قد وضعتها لتجدها ثانيا ، ولا تفرح بغم الناس حتى لا يفرحوا بغمك ، وانصف حتى تجد النصفة ، وقل خيرا لتسمع خيرا ، ولا تبذر في الأرض السبخة ، فإنها لا تثمر ، والإحسان إلى غير الشاكرين كإلقاء البذر في الأرض السبخة ، ولا تضن بالإحسان على مستحق الإحسان ، وكن معلما للخير فقد قيل ( الدال على الخير كفاعله ) . واعلم أن فاعل الخير والآمر به أخوان ، إذ إن الزمن لا يقطع صلتهما ، ولا تندم على فعل الخير ، فإن جزاء الخير والشر يصل إليك في هذه الدنيا أيضا ، وعندما تحسن إلى إنسان ، فانظر تر أنه في وقت الإحسان ، يوجد في قلبك من الارتياح والغبطة بقدر ما يصل إلى ذلك الإنسان من الراحة ، وإذا أسأت إلى إنسان فإنه يصل إليه من الألم بقدر ما يكون قد وصل إلى قلبك من الضجر والكدر ، فإذا نظرت إلى الحقيقة رأيت أنه لا يصل منك ألم إلى أحد بدون ضجرك ، ولا تصل منك راحة إلى أحد بغير هنائك ، فصار حقا أنك تجد جزاء الخير والشر في هذه الدنيا أيضا قبل أن تصل إلى العالم الآخر ، ولا يستطيع امرؤ أن ينكر هذا الكلام ، فإن كل من أحسن أو أساء إلى إنسان يعرف أنني في هذا الكلام على حق ، فلا تضن ما استطعت على امرئ بالخير فإن ذلك الخير يثمر يوما ما . حكاية [ رقم 1 ] سمعت أنه في ذلك الوقت الذي كان المتوكل « 1 » خليفة في بغداد كان له غلام اسمه الفتح ، وكان حسن الحظ سعيد الأيام ، وقد تعلم الفنون والآداب ، فتبناه المتوكل ، وأراد الفتح هذا أن يتعلم السباحة فكان الملاحون يعلمونه فنونها ، ولم يكن يجرؤ على أن يسبح في دجلة ولكنه على عادة الصغار كان يتظاهر بنفسه قائلا إني قد تعلمت ، وذات يوم ذهب ليسبح منفردا بغير الأساتذة ، وكان الماء يجرى بشدة ، فجرف الفتح ، وعرف الفتح أنه لا يستطيع مقاومته فجاراه وأرخى نفسه ، وصار يدلف على وجه الماء حتى غاب عن أعين الناس ، فلما قطع مسافة كان على ضفة النهر ثقوب وفجوات ، وشرب ماء ، وفجأة أوصله الماء إلى تلك الفجوات والثقوب ، فجاهد وألقى بنفسه في إحداها ومكث ليرى ما لله تعالى من حكمة في هذا ، قائلا لعلى في هذه الساعة أخلّص نفسي ، وقد

--> ( 1 ) كان مقر الخليفة المتوكل في سرّ من رأى لا في بغداد .